أبو حامد الغزالي

146

تهافت الفلاسفة

مسألة في بيان عجزهم عن إقامة الدليل ، على أن اللّه واحد وأنه لا يجوز فرض اثنين ، واجبي الوجود ، كل واحد منهما لا علة له واستدلالهم على هذا بمسلكين المسلك الأول : قولهم : إنهما لو كانا اثنين ، لكان نوع وجوب الوجود مقولا على كل واحد منهما ، وما قيل عليه : إنه واجب الوجود فلا يخلو : إما أن يكون وجوب وجوده لذاته ، فلا يتصور أن يكون لغيره ، أو وجوب الوجود له لعلة ، فتكون ذات واجب الوجود معلولا ، وقد اقتضت علة له وجوب الوجود ، ونحن لا نريد بواجب الوجود ، إلا ما لا ارتباط لوجوده بعلة ، بجهة من الجهات ، وزعموا : أن نوع الإنسان مقول على زيد وعلى عمرو ؛ وليس زيد إنسانا لذاته ، إذ لو كان إنسانا لذاته ، لما كان عمرو إنسانا ؛ بل لعلّة جعلته إنسانا ، وقد جعلت عمرا أيضا إنسانا ، فتكثرت الإنسانية بتكثر المادة الحاملة لها ، وتعلقها بالمادة معلول ليس لذات الإنسانية . فكذلك ثبوت وجوب الوجود لواجب الوجود ، إن كان لذاته ، فلا يكون إلّا له ، وإن كان لعلة ، فهو إذن معلول ، وليس بواجب الوجود ، فقد ظهر بهذا أن واجب الوجود لا بد أن يكون واحدا . قلنا : قولكم : نوع وجوب الوجود لواجب الوجود لذاته أو لعلة ، تقسيم خطأ في وضعه ، فإنا قد بينا أن لفظ وجوب الوجود فيه إجمال ، إلا أن يراد به نفى العلة ، فنستعمل هذه العبارة فنقول : لم يستحيل ثبوت موجودين لا علة لهما ، وليس أحدهما علة للآخر ؟ ! ، فقولكم : إن الذي لا علة له ؛ لا علة له لذاته أو لسبب ، تقسيم خطأ ؛ لأن نفى العلة واستغناء الوجود عن العلة لا يطلب له علة ؛